العيد انبلاجة فجر
من أبرز مظاهر الفرحة التي يرسمها يوم عيد الفطر السعيد هي استعادة العلاقات الأسرية والاجتماعية ألقها وترابطها، وذلك بفعل تبادل التهاني والزيارات عبارات تظهر مشاعر الاحترام والود، بعد أن عاش الفرد موسما عباديا امتدّ لشهر كامل وقد مارس فيه ضبط النفس والمشاعر من التفلّت والانفعال «التحسين الأخلاقي»، إذ أن الصوم من ناحية أخلاقية يضع خطا أحمر أمام المشاحنات وتحوّل تبادل وجهات النظر إلى حوارات ساخنة تعلو منها البغضاء والكراهية، ويدعو إلى ممارسة روح التسامح وتجاوز الخلافات السابقة وعودة مياه الصفو والإخاء إلى مجاريها، فعنوان «القلب السليم» مفردة أخلاقية سامية يسعى الفرد إلى تحقيقها وتخليص النفس من سموم الأحقاد والخلافات ووساوس الشيطان الرجيم الداعية إلى تقطيع العلاقات الأسرية والاجتماعية، إذ ينفخ إبليس في النفس الأمارة بالسوء وتعضدها الأهواء نحو فكرة الاعتداد بالنفس بنحو سلبي وتحقيق الانتصارات الوهمية عند تحويل العلاقات إلى حلبة صراع وتبادل اللكمات الكلامية وغمز قناة الآخرين وجرح مشاعرهم والإساءة إليهم «الغمز واللمز».
ونحن في غمار عيد الفطر نسعى لتحقيق التوازن النفسي والوجداني والعاطفي بعيدا عن الاستفزازات ومحاولة البعض تعكير أجواء العلاقات، وهذا ما يرسم معالم القوة والاقتدار في شخصياتنا وسلوكياتنا من خلال عملية الضبط والهدوء والتعامل بحكمة مع الآخرين وإن شابه شيء من الاستفزاز.
الانشغالات الحياتية وأمور الدراسة والعمل وغيرها بلا شك أنه تُوضع بعين الاعتبار في تأثيرها على كثافة وتبادل أصر التواصل الأسري والاجتماعي، وهنا تكمن أهمية هذه المناسبات الكبرى كعيد الفطر في إعادة بناء لحمة هذه العلاقات وتجديد التواصل واللقاءات ما أمكن ذلك، وهي تعزز الجانب الاجتماعي في علاقاتنا وتوفر الفرصة لاكتساب الانتماء والشعور بالأمان في تلك الأوساط، كما أنها فرصة للتخلص من روتين الحياة والسير على وتيرة واحدة معظم أيام السنة، فتبادل التحايا والتهاني والزيارات بمناسبة العيد السعيد تدخل البهجة على القلوب وتهب الراحة النفسية.
ويأتي العيد كفرصة سانحة لإذابة الثلج عن بعض العلاقات المتوترة أو التي بينهما قطيعة؛ لتضمّد جراحا أو مشاعر منكسرة فتصفي القلوب من تلك الخلافات وتعيد للعلاقات استقرارها وترابطها.
ويجسّد العيد مفهوم وفكرة العطاء الإنساني بكافة أشكاله ويعطي أهمية لدوره في رسم الفرحة والابتسامة على الوجوه، والعطاء لا يقتصر على الجانب المادي منه فحسب وإن كان مهما، فتبادل الهدايا يرمز بالدرجة الأولى على تواجد الآخر في القلب الذي يحمل له مشاعر الود والاحترام، كما أن تبادل الهدايا يعزز العلاقات ويدعمها ويخرجها من دائرة تبلد الوجدان وشح العواطف والظنون السيئة، فالفرحة والسعادة الحقيقية هي مشاركة الآخرين همومهم ومناسباتهم والتواجد معهم، كما أن الكلمات الطيبة الصادقة تلامس المشاعر وتضفي عليها علامات التقدير والمحبة، فيوم العيد وقفة تأملية مع الذات وقدراتها وجوانبها ومع الآخرين في التواصل معهم وتعزيز الروابط في إطار العطاء وروح التسامح.